ابن عربي
413
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
معلوم يظهر فيه وجه للحق ووجه لغير الحق ، فمثلا يكون من الأرزاق ما هو حلال بيّن وحرام بيّن ، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن لاحت له وقف عندها حتى يتبين له أمرها ، فإما أن يلحقها بالحلال وإما أن يلحقها بالحرام ، فلا يقدم عليها ما دامت في حقه شبهة ، فإنها في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين ، وإنما اشتبه على المكلف لتعارض الأدلة الشرعية عنده في ذلك . « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » مآل الشيء لا يصح أن يكون واقعا فيرى إلا إن مثّل للرائي ، فهو كأنه يراه ، فإن المآل يقابل الحال ، فالحال موجود والمآل ليس بموجود ، ولهذا سمي مآلا ، والتأويل هو ما يؤول إليه حكم هذا المتشابه ، فهو محكم غير متشابه عند من يعلم تأويله ، وليس إلا اللّه ، فما تشابه من القرآن لا يعلم تأويله إلا اللّه ، فهو من العلوم المستورة مضمن في صور كلمات ، وهو مستور أن يتعلق به معرفة عارف على القطع إلا بإخبار إلهي ، لهذا ترك التأويل من تركه من العلماء ولم يقل به ، واعتمد على الظاهر ، وترك ذلك للّه ، فمن أعلمه اللّه بما أراده في قوله علمه بإعلام اللّه لا بنظره ، فما يعلم تأويله إلا اللّه ، أي ما يؤول إليه هذا اللفظ المنزل المرقوم ، وما أودع فيه « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » يعني في العلم باللّه ، فهم الراسخون في العلم بشهادة توحيده ، يعلمهم الحق بذلك التأويل من غير فكر فيه ، إذ كان الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل أحد ، وذلك التعليم من طريق الوهب لا الكسب ، فالعالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشبه ولا تزلزله الشكوك ، لتحققه بما شاهد من الحقائق بالعلم ، فالراسخ في العلم يقول « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » يعني متشابهه ومحكمه ، فإذا أشهده اللّه مآله فهو عنده محكم ، وزال عنه في حق هذا العالم التشابه ، فهو عنده كما هو عند اللّه من ذلك الوجه ، وهو عنده أيضا متشابه لصلاحيته إلى الطرفين من غير تخليص ، كما هو في نفس الأمر بحكم الوضع المصطلح عليه ، فهو وإن عرف تأويله فلم يزل عن حكمه متشابها ، فغاية علم العالم الذي أعلمه اللّه بما يؤول إليه ، علمه بالوجه الواحد لا بالوجهين ، فهو على الحقيقة ما زال عن كونه متشابها ، لأن الوجه الآخر يطلبه بما دل عليه ويتضمنه ، كما طلبه الوجه الذي أعلم اللّه به هذا الشخص ، فعلم اللّه على الحقيقة به أن يعلم تأويله ، أي ما يؤول إليه من الجانبين في حق كل واحد ، أو الجوانب إن كانوا كثيرين ، فيعلمه متشابها ، لأنه كذا هو ؛ إذ كل جانب